السيد محمد تقي المدرسي

4

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

كما بذل الفقهاء الكرام - رضوان الله عليهم - المزيد من الجهد في سبيل تبويب أخبار الهداة من آل الرسول في أسفار عظيمة كالكتب الأربعة ، والتي جاءت تحدياً لموجة الأفكار الضالة التي اجتاحت العالم الإسلامي في تلك العصور ، وبالذات شيخنا الأعظم محمد بن يعقوب الكليني الذي ألف سفره العظيم ( الكافي ) لهذه الغاية كما يبدو من مقدمة الكتاب . ولقد لاحظت في إجازات مشايخنا تحذيراً شديداً من الأفكار المنحرفة ، مما يدل على أن علماءنا الأبرار كانوا قد عقدوا العزم على الدفاع عن أصول الفكر الإسلامي « 1 » . وإن كثيراً من المسلمين اليوم يتعرضون لخطر الانحراف عن أصول الفكر الإسلامي إلى بعض الأفكار الانتقائية المستوحاة من الثقافات الأوروبية الحديثة ، أو الفلسفات اليونانية القديمة ، والسبب في ذلك هو انفتاحهم غير المحدود عليها دون الرجوع إلى مصادر الفكر السليم لاتخاذها ميزاناً بين الحق والباطل . من هنا ؛ رأيت من الضروري أن أبتعد كل يوم قليلًا عن عالم الأحداث الساخنة لأستريح إلى حقل الحكمة الإسلامية ، الذي كنت أحنّ إليه منذ أن ألفت قبل خمسة عشر عاماً كتابي ( الفكر الإسلامي ؛ مواجهة حضارية ) . وقد وفقت - والحمد لله - لإنجاز جزءٍ مما كنت أتمنى إنجازه في هذه البحوث ، ذلك الجزء الذي يتعلق بتاريخ العلوم العقلية عند المسلمين ومباحث الوجود والفيض ، بينما لم أوفق لإنجاز بقية البحوث التي تشمل مباحث العلم والعقل

--> ( 1 ) جاء في كتاب مستدرك الوسائل للعلامة النوري ( ره ) حول بعض العلماء ، ما يلي : وأما اطلاعه وكمال معرفته بعلم الفلاسفة وحكمتها وعلم التصوف وحقيقته فغير فادح في جلالة شأنه ، فإن أكثر علمائنا من القدماء والمتأخرين قد حققوا هذين العلمين ونحوها من الرياض والنجوم والمنطق ، وهذا غني عن البيان وتحققهم لتلك العلوم ونحوها ليس للعمل بأحكامها وأصولها والاعتقاد بها ، بل لمعرفتهم بها والاطلاع على مذاهب أهلها المستدرك ، ج 3 ، ص 365 . إنك ترى أن العلم بهذه الثقافات كاد يكون قدحاً في الشخص لولا أنه كان مجرداً عن التأثر بها .